الصفحة الرئيسية  أخبار وطنية

أخبار وطنية "شفيق روابح".. مواطن من ولاية قفصة يقيم بمنزله معرضا للتراث المنجمي يكشف من خلاله هذه "الأسرار المنجمية" وصور نادرة على الخط

نشر في  13 أفريل 2020  (12:00)

لئن ضرب "بعض" المستهترين عرض الحائط كل النصائح والتوجيهات المتعلّقة بضرورة الالتزام بالحجر الصحي الشامل توقيا من فيروس كورونا  ببلادنا وللحد من تفشيه فعمدوا خرقه غير عابئين لا بسلامتهم ولا بسلامة أحبابهم، نرى اليوم تونسيون حملوا بأياديهم شموعا أنارت بعضا من العتمة الكائنة فينا...

 فلم تكن جدران المنزل الذي يأويهم بمثابة جدران تسجن أفكارهم ومخيّلتهم بل حرّروا من خلالها ذواتهم لابتكار طرق يمكن لها أن تنسينا قسوة الحجر وتمحو ولو لحين هواجس الريبة التي خيمت علينا جرّاء وباء تجنّد له أصحاب البدلات البيضاء فوضعوا أنفسهم في الخطوط الأمامية من أجل خوض ملحمة القضاء عليه وإنقاذ النفس البشرية.

يقول الشاعر الكبير محمود درويش انه "بدون الذاكرة لا توجد علاقة حقيقية مع المكان"... قول جسّده المواطن شفيق روابح أصيل ولاية قفصة تحديدا معتمدية المظيلة وهو موظف بشركة فسفاط قفصة ورئيس جمعية شمل للذاكرة والمحافظة على التراث المنجمي بالمظيلة، حيث استغلّ  الحجر الصحي الشامل ليحوّل فضاءً بمنزله إلى معرض للتراث المنجمي.. هو معرض خصصه صاحبه بمشاركة عائلته لإنعاش الذاكرة ونفض الغبار عن تراث منجمي منسي أتاحه للمشاهدة عبر صفحته الخاصة بموقع التواصل الإجتماعي الفايسبوك أيام 7 و 8 و 9 أفريل الجاري..

في هذا الإطار كان لـالجمهورية حديث مع السيد شفيق روابح تطرّق من خلاله حول  بادرته في إقامة معرض للتراث المنجمي حيث أكد في البداية على أن فكرته أتت إيمانا منه وبعائلته بأهمية ترسيخ التراث المنجمي بجهة قفصة لدى الجميع وتثمينا للتراث العمالي والمنجمي بقيمه الإنسانية الرفيعة التي تربت عليها الأجيال السابقة التي أنبتت ورسّخت قيم التعدد والتسامح والتعايش.

 واعتبر محدّثنا أن هذه الفكرة تأتي أيضا من خلال شعوره بضرورة ربط ذاكرة الماضي بالحاضر لتلقيح الجيل الحالي بالموروث والزخم التاريخي لمنطقة المناجم بقفصة طوال المرحلة التاريخية التي عاشتها منذ اكتشاف الفسفاط أثناء وخلال وبعد جلاء المستعمر الفرنسي مرورا بالتطورات التي عرفتها الحركة العمالية المنجمية على جميع المستويات.

وقد سهّل امتلاكه للعديد من الأدوات والآلات القديمة التي كانت تستعمل في بدايات استخراج الفسفاط من الدواميس فضلا عن العديد من الصور النادرة المتعلّقة بمناجم الفسفاط وعمّاله في أن يقرّر بمعية عائلته المتكونة من زوجته عطيات روابح وابنيه ابراهيم والياس في استغلال فضاء بالمنزل لإنجاز ذلك المعرض الذي لاقى إعجاب الكثير من المتابعين لصفحته الخاصة.

ويقول محدّثنا أنه لم يكن يتوقع ما لاقاه المعرض الذي أقامه على مدى 3 أيام من صدى إيجابي، مشيرا إلى أنه قام خلاله رفقة عائلته بحلقات قصصية عبر سرد أبرز الحكايا المنجمية القديمة.

 ما قصة منجم الفسفاط الذي حمل اسم الناجي الوحيد في حادث انهيار أحد المناجم سنة 1905 والذي توفي فيه مئات العملة ؟

ومن بين الحكايا قصّة تتحدّث عن سرّ منجم الفسفاط الذي حمل اسم الناجي الوحيد في حادثة انهيار أحد المناجم سنة 1905 والذي توفي فيه مئات العملة، حيث تمّ إطلاق اسم "وصيّف" على أحد أول مناجم الفسفاط بالمتلوي لأن هذا الاسم كان يعود للنّاجي الوحيد من انهيار المنجم فوق مئات العمّال الذي لا يقل عددهم آنذاك عن 228 عامل.

وفي التفاصيل التي أخبرنا بها محدّثنا فإنّ  سرّ تمكن الناجي الوحيد  من النجاة يعود إلى دابته حيث كان يقود بَغلة تحمل الفسفاط على ظَهرها لتساعد العمال على إخراجه من داخل المنجم.

ولما بدأ سقف المنجم في الإنهيار وانسدت مَسَالِك الخروج، تَمسكَ هذا العامل بِذَيل بَغلَته مُعتَمِدا على غَرِيزتها في حُبِّ البَقاء على قَيد الحياة. وإذ كان من بقي حيًّا مِن زُملائه قد فَشلوا في تَبين طُرق الخروج إلى سطح الأرض، فإِن الدابة التي تَمسك صاحبها بِذيلها تمكنت من إيجاد طريق النجاة مُنقذة معها العامل.

ومنذ تلك الكارثة التي حلت بأكثر من 200 عامل وعائلاتهم علما وأنّه وإلى غاية اليوم ما زال رفات أغلب الضحايا يقبع تحت الأرض لاستحالة اخراجه، ومنذ ذلك الوقت أطلق عمال المناجم التونسيين اسم الناجي الوحيد على ذلك المنجم فأصبحوا يطلقون عليه (منجم الوصيف).

 جمعية شمل للذاكرة و المحافظة على التراث المنجمي بالمظيلة

وعن جمعية شمل للذاكرة والمحافظة على التراث المنجمي بالمظيلة، أكّد محدّثنا أن فكرة بعثها راودته في البداية كحلم ثم أصبحت واقعا حمل معه آمال المساهمة في حفظ الموروث المنجمي بجهة قفصة، مشيرا إلى أنه ومنذ إحداثها سعت لتحقيق أهدافها على أرض الواقع ضمن الإمكانيات والدعم المتوفر والمتاح لها، حيث بقيت محافظة على سمعتها الطيبة ضمن النسيج الجمعياتي في ولاية قفصة.

 وقد لعبت دورا كبيرا ومهما للتعريف بالمخزون التراثي المنجمي الذي تختزنه جهة قفصة عبر تنشيطها للساحة الثقافية محليا أو جهويا للعام الثاني منذ تأسيس الجمعية سنة 2017 ووفقا لمقتضيات المرسوم عدد 88 لسنة 2011 المتعلق بتنظيم الجمعيات و للقانون الأساسي للجمعية.

 إنجاز فيلم وثائقي بعنوان ذاكرة التراب الأسود

  وبالإضافة إلى العمل على التعريف بالإرث المنجمي تهدف الجمعية على تحريك العمل الثقافي بالجهة ويتجلى ذلك خاصة من خلال إنجازها لفيلم وثائقي بعنوان "ذاكرة التراب الأسود" وهو فيلم  وثّق لقطات نادرة عن "الدواميس" وأسرارها حيث حاكى تاريخ مناجم الفسفاط وجسّد معانات ونضالات العمال منذ الحقبة الإستعمارية إلى غاية تشييد آخر منجم تحت الأرض الذي أغلق نهائيا سنة 2006 وهو "داموس العرق الأصفر" بالرديف.

 هذا كما كان للجمعية المشاركة في العديد من المهرجانات، من بينها مهرجان الحوض المنجمي بقفصة في ديسمبر 2017 فضلا عن تنظيم فعاليات مهرجان أميرة المناجم بالمظيلة لموسمي 2018 و2019، كما قامت السنة الفارطة بتنظيم معرض للصور الفوتوغرافية القديمة لمدن الحوض المنجمي افتتحه كل من وزيري الثقافة والمالية السابقين.

وشدد محدثنا على أن جمعيته شهدت نقلة نوعية من ناحية التطور الكبير في حجم وقيمة العروض التي اختارتها، حيث تم التعاقد مع أبرز نجوم المهرجانات على غرار الفنانة نبيهة كراولي والفنان اللبناني روني فتوش ونجوم الكوميديا في تونس، مؤكدا بأنه ولولا ما بذله جميع المتعاونين والمتطوعين وكل أعضائها لما تمكنت  الجمعية من إثبات "شخصيتها الجمعياتية" في الحفاظ على الذاكرة والتراث المنجمي المحلي والوطني وفي المساهمة في دعم الحراك الثقافي بالجهة ..

هذا كما تسعى الجمعية إلى إنشاء مجلة خاصة بالحوض المنجمي حيث تم عرض الفكرة على المدير العام لشركة فسفاط قفصة لتبنيها وتحمل الشركة نفقات نشرها والذي بدوره أحالها على المصلحة الإجتماعية منذ 6 أشهر لكن أكد شفيق روابح أنه وإلى غاية هذا اليوم "لا حياة لمن تنادي".

المساهمة في تعقيم عدة مراكز بالجهة

 وفي إطار مكافحة انتشار فيروس كورونا ومعاضدة جهود البلديات واللجنة الجهوية لمجابهة الكوارث شاركت جمعية شمل للذاكرة والمحافظة على التراث المنجمي بالمظيلة بالتعاون مع جمعية حلم الثورة بقفصة في  حملات تعقيم عدة مراكز حساسة على غرار مقر بلدية المظيلة ومركز البريد وإدارة إقليم شركة الفسفاط بالمظيلة ومركز الحرس الوطني وبعض المقاهي والمخابز، فضلا عن تعقيم العديد من السيارات الإدارية والناقلة لأعوان وإطارات شركة فسفاط قفصة.

ووجّه شفيق روابح بالمناسبة تحية شكر خصّ بها خالد الورغي مدير إقليم شركة فسفاط كذلك دعمه بصفة شخصية للحد من إنتشار هذا الفيروس كذلك لكل أفواج الكشافة بالمظيلة وخاصة فوج صهيب على مساندته لحملة التعقيم وهي مجهودات لمعاضدة جهود البلدية فضلا عن اللجنة المحلية لمجابهة الكوارث وعلى رأسها معتمد الجهة ومباركة خوالدية مساعدة رئيس البلدية وفتحي تيتاي عن منظمة حقوق الإنسان وحمدي خوالدية وكل نشطاء المجتمع المدني ومن ساهم في هذه الحملات.

 

منــارة تليــجانـي